يزيد بن محمد الأزدي
36
تاريخ الموصل
الأوائل ، وأبو زكريا بن منده « آخر الصحابة موتا » وبعض المتأخرين الأواخر مطلقا ولكثرة ما وقع في المتون من ذلك أفرده البلقيني بنوع مستقل . وكان يمكن أن يجعل التاريخ على قسمين : سندى ، ومتنى ، وقد ذكرنا أمثلة على فوائد التاريخ في دراسة السند ، وهناك أيضا أحوال يؤثر فيها التاريخ على السند والمتن في الأحاديث مما قد يشتركان فيه كما فعل في المضطرب والمقلوب وغيرهما . ومما وقع في المتون : « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا » « ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال » و « أفضل الصيام بعد رمضان المحرم وصوم تاسوعاء وعاشوراء » وكون قول ابن عباس : كان تاسوعاء عنده العاشر من المحرم والشهر ثلاثون وتسع وعشرون ، « والأمر بصيام الأيام البيض » « والنهى عن صوم يوم العيد والسبت إلا مع يوم قبله أو بعده » ونحو ذلك مما لا ينحصر « كالحج لا يتم إلا بالوقوف في عرفة » « وخلق اللّه الأرض يوم السبت ، والجبال يوم الأحد ، والشجر يوم الاثنين ، والظلمة يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء ، والدواب يوم الخميس ، وآدم يوم الجمعة » ، وقوله صلى اللّه عليه وسلّم في أواخر عمره : « إن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد » . فكل هذا مرشد إلى الافتقار للتاريخ ، أو هو من فوائده ومن ثم قيل كما سيأتي قريبا عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما - إن اللّه عز وجل ذكره في كتابه العزيز فقال : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : 189 ] وعن قتادة « جعلها اللّه مواقيت لصوم المسلمين ، وإفطارهم وحجهم ، وعدد نسائهم » . وأما ما لعله يذكر فيه من أخبار الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسنتهم فهو مع أخبار العلماء ومذاهبهم ، والحكماء وكلامهم ، والزهاد والنساك ومواعظهم ، عظيم الغناء ، ظاهر المنفعة ، فمما يصلح الإنسان به أمر معاده ودينه وسريرته في اعتقاداته ، وسيرته في أمور الدين ، وما يصلح به أمر معاملاته ومعاشه الدنيوي . وكذا ما يذكر فيه من أخبار الملوك وسياساتهم ، وأسباب مبادئ الدول وإقبالها ، ثم سبب انقراضها ، وتدبير أصحاب الجيوش والوزراء وما يتصل بذلك من الأحوال التي يتكرر مثلها وأشباهها أبدا في العالم غزير النفع كثير الفائد بحيث يكون من عرفه كمن عاش الدهر كله وجرب الأمور بأسرها ، وباشر تلك الأحوال بنفسه فيغزر عقله ويصير مجربا غير غر ولا غمر وللّه الحمد والمنة .